محمد راغب الطباخ الحلبي

605

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

الحابل بالنابل ، وقامت الثورات على قدم وساق ، وصارت الرعية وأفراد الجند يقتلون الأمراء وأهل الثراء ، وقتلت أسرة العائلة الأمبراطورية نفسها شر قتلة ومثل بها أفظع تمثيل . وأما الجيوش التي كانت تحارب في الجبهات فصارت في هرج ومرج ، وصارت ترسل إلى قوادنا الأخبار والرسل أن يجيئوا ليستلموا بلادهم ، وأخذت تترك مواضعها وحصونها وترجع زرافات ووحدانا إلى بلادها تاركة ما لديها من المدافع والسلاح وبقية آلات الدفاع والذخائر والمؤن ، وكان شيئا كثيرا لا يحصى ، وصارت تقتل قوادها وضباطها إلا من كان منهم على فكرتهم وموافقا لغايتهم . فعلم عند ذلك أن تلك المناشير كانت حقيقية وأن روح لزوم التساوي بين جميع الطبقات المسماة ( بالبولوشفيكية ) قد انبعثت فيهم وصارت تسري بين الجنود رويدا رويدا إلى أن استحكمت حلقاتها فيهم وتأصلت تلك العقيدة في نفوسهم ، وما زالت تربو وتتعاظم إلى أن انفجرت في آن واحد في كل صقع وكأنها قنابل مرتبطة ببعضها البعض بشرائط كهربائية تحت ضغط زر واحد . حينئذ نهضت الجيوش العثمانية وأخذت تمشي إلى الأمام مستردة بلدانها ومغتنمة جميع ما تركته عساكر الروس من عدة جهات بلا معارض ولا مقاوم . فمن جهة وصلت إلى القارص فما فوقها ، ومن جهة بلغت باطوم واحتلتها وشكلت حكومة تركية فيها وعينت متصرفا لها جميل بك النيّال الحلبي واستولت على تلك المناطق بأجمعها ، وهذا من أعجب الأمور في الحوادث الكونية ، ولكن إذا أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه وأزال كل عقبة تكون في طريقه . أما محمود كامل باشا فإنه بعد أن عاد إلى الآستانة قعد في بيته مدة إلى أن برئ من مرضه ، ثم عين مستشارا لنظارة الحربية للمرة الثانية . وكانت صفحات الحرب في جهات الألمان وجهات البلاد العثمانية ليست على ما يرام ، بل كانت الانكسارات والاندحارات تتوالى بأسوأ الحالات ، وصار يلوح للناظر أن هذه الحرب العامة الطاحنة للبشر قد دخلت في دورها الأخير وأنها ستضع أوزارها عما قريب . وكان جمال باشا قائدا عاما على جيوش سورية وفلسطين . وأخيرا لما رأى أن كل مساعيه التي بذلها في هذه البلاد من قتل كبرائها ونفي الكثير منهم إلى بلاد الأناضول لم يجده نفعا ولم يحسن بذلك صنعا ، حيث أدى إلى ما لم يكن له بالحسبان ، ومن إثارة